الخطر الأكبر الذي يواجه سوريا اليوم لا يقتصر على هشاشة الوضع السياسي والأمني، أو صعوبة التوصل إلى تسوية بين القوى والمكونات المتنازعة على النفوذ والسلطة، بل يكمن في احتمال تحول تلك الخلافات إلى حالة مزمنة تعطل قيام الدولة، وتُعيد إنتاج الانقسامات على أسس طائفية وعرقية ومناطقية.
لقد كشفت التجربة السورية، بعد نحو عامين من سقوط سلطة الأسد، أن إسقاط منظومة سياسية وتغيير شكل السلطة لا يعنيان بالضرورة قيام دولة، وأن الانتقال من الصراع إلى الاستقرار يحتاج إلى ما هو أبعد من التفاهمات السياسية وتقاسم المواقع والمناصب. فالدولة لا تُبنى بالتسويات وحدها، وإنما بمصالح مشتركة تجعل المواطنين، على اختلاف انتماءاتهم، شركاء في مستقبل واحد، وتربط مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية بمصير الكيان الوطني.
من هنا، ربما يكون المدخل الأكثر واقعية للخروج من المأزق هو إعادة ترتيب العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، والانتقال من خطاب الوحدة الوطنية بوصفها شعاراً إلى مشروع اقتصادي يترجمها إلى مصالح ومكاسب ملموسة. فالوحدة التي تعجز السياسة وحدها عن تحقيقها يمكن للاقتصاد أن يفتح أمامها مساراً مختلفاً، لا بديلاً عن التسوية السياسية، وإنما قاعدة مادية واجتماعية تسندها وتحميها.
سوريا اليوم أشد حاجة إلى مؤتمر اقتصادي وطني تأسيسي، يضع ملامح مشروع اقتصادي جامع، لا يقتصر على إعادة إعمار ما دمرته الحرب، بل يستهدف توسيع قاعدة الملكية والمشاركة الاقتصادية، وإعادة توزيع الفرص والعوائد على نحو أكثر عدالة، وتحويل المواطن من متلقٍّ للمساعدات والقرارات الحكومية إلى شريك في الإنتاج والاستثمار وصناعة القرار.
وقد يكون تأسيس شركات مساهمة عامة وطنية في القطاعات الاستراتيجية أحد المداخل العملية لتحقيق ذلك، من خلال نموذج تمتلك الدولة فيه الحصة الأكبر، ويُطرح الجزء المتبقي من رأس المال للاكتتاب العام، بما يتيح للسوريين، بمختلف طوائفهم ومناطقهم وأعراقهم، امتلاك حصص مباشرة في أصول ومشروعات وطنية، وفق معايير اقتصادية واضحة، بعيداً عن منطق المحاصصة الطائفية والمناطقية.
ويمكن أن تشمل هذه الشركات قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والنقل والطرق والمطارات والطاقة والخدمات اللوجستية. وهي قطاعات لا تقتصر أهميتها على تحقيق العوائد المالية، بل تمتد إلى بناء قاعدة إنتاجية قادرة على استيعاب العمالة، وتحفيز النشاط الاقتصادي، وربط المحافظات والمناطق بشبكة من المصالح المتبادلة.
ليست الفكرة إنشاء شركات حكومية تقليدية تعيد إنتاج البيروقراطية، أو خصخصة الأصول العامة وبيعها لمجموعات مالية محدودة وشخصيات نافذة، وإنما تأسيس نموذج للشراكة الوطنية يقوم على ملكية عامة محوكمة، تتولى الدولة فيه دور المستثمر الاستراتيجي والمنظّم، ويكون المواطن شريكاً في رأس المال والعائد، ضمن قواعد الشفافية والمساءلة وحماية حقوق المساهمين.
مقالات أخرى للكاتب:
مقال رأي | العمومية الافتراضية.. راحة لمجلس الإدارة أم حق ضائع للمساهم؟
مقال رأي | هرمز النووي.. حين هز المضيق اقتصاد العالم
مقال رأي | هل طوّعت قطر النفوذ بالاستثمار... أم بنت الاستثمار بالنفوذ؟
ولكي لا يتحول الاكتتاب العام إلى امتياز للأغنياء، أو بوابة لتركيز الملكية في أيدي قلة، لا بد من وضع ضمانات واضحة، تشمل تحديد سقف للملكية الفردية، وتخصيص نسبة من الأسهم للمناطق الأكثر تضرراً ولذوي الدخل المحدود بشروط ميسّرة، إلى جانب الإفصاح عن هياكل الملكية وإخضاع الشركات لرقابة مستقلة تمنع الاحتكار وتضمن تكافؤ الفرص. فالعدالة في توزيع الملكية جزء من نجاح المشروع، وليست تفصيلاً يمكن تأجيله.
ومن أهم أبعاد هذا الطرح أن تمويل إعادة بناء سوريا لا ينبغي أن يبدأ بالبحث عن المستثمر الخارجي، أو انتظار مؤتمرات المانحين والتعهدات الدولية. فالسوريون في الداخل والمهجر يمتلكون مدخرات وخبرات ورؤوس أموال يمكن أن تشكل قاعدة تمويل مهمة، إذا توافرت البيئة القانونية والمؤسسية التي تمنحهم الثقة والأمان.
ليس المقصود هنا إغلاق الباب أمام الاستثمار الأجنبي، فهو ضرورة لنقل التكنولوجيا والخبرات وتوسيع الأسواق، وإنما تصحيح ترتيب الأولويات، بحيث يكون رأس المال الوطني نقطة الانطلاق والشريك الأساسي في عملية البناء، لا مجرد طرف ينتظر ما تقرره الأطراف الخارجية أو تفرضه شروط التمويل الدولي.
ويمكن ترجمة ذلك من خلال اكتتابات عامة منظمة، تتيح للمواطنين المساهمة وفق قدراتهم، إلى جانب إنشاء صناديق استثمار وطنية تجمع مدخرات السوريين في الداخل والخارج وتوجهها نحو مشروعات إنتاجية.
غير أن نجاح هذا النموذج يتطلب أكثر من إتاحة الأسهم، فهو يحتاج إلى قضاء مستقل، وحماية قانونية للملكية، ورقابة مالية فاعلة، وجهاز مصرفي قادر على تمويل الطروحات واستيعاب المدخرات، وسوق مالية متطورة، وسياسة نقدية واضحة تحد من تقلبات أسعار الصرف. فرأس المال لا يعود بمجرد توقف الحرب، وإنما حين يطمئن أصحابه إلى أن أموالهم محمية بالقانون، وليست رهينة لتقلبات السلطة أو حسابات المسؤولين ومصالحهم الشخصية.
هذا الطرح ليس اكتشافاً اقتصادياً، لكنه قد يشكل نواة لـ«مارشال سوري» للنهوض ببلد أنهكته الحرب، وتتنازعه الانقسامات والثارات بين بعض مكوناته. فهذه الانقسامات لم تعد خلافات سياسية فحسب، بل ارتبطت أيضاً بتفاوت السيطرة على الموارد والفرص الاقتصادية، وبشعور مناطق ومجموعات اجتماعية بأنها خارج معادلة الثروة والقرار.
من الصعب بناء دولة مواطنة في مجتمع يشعر جزء من أبنائه بالحرمان من فرص العمل والاستثمار، فيما تتركز الثروة والامتيازات في مناطق أو مجموعات أخرى. فالمساواة أمام القانون تظل ناقصة ما لم تترافق مع فرص اقتصادية متكافئة، وإمكانية حقيقية للمشاركة في ملكية الأصول الوطنية والاستفادة من عوائدها، في ظل مؤسسات رقابية قادرة على مكافحة الفساد ومنع الاحتكار.
وعندما يمتلك سوري في حلب حصة في شركة صناعية، ويشارك آخر من السويداء في شركة للنقل، ويساهم مواطن من الساحل أو الجزيرة أو ريف دمشق في مشروع زراعي أو سياحي، تنشأ بينهم مصلحة اقتصادية مباشرة في نجاح هذه المشروعات واستمرارها، تتجاوز الانتماءات والهويات الفرعية.
قد لا تُنهي الأسهم المتداولة في سوق دمشق للأوراق المالية الخلافات السياسية أو تمحو ذاكرة الحرب، كما أن التشابك الاقتصادي وحده لا يكفي لإذابة الانقسامات، لكنه يخلق أرضية مختلفة للعلاقة بين المواطنين، ويجعل الاستقرار مصلحة مشتركة، لا مجرد مطلب سياسي.
وهنا تتجاوز أهمية المشروع مسألة زيادة دخل الفرد إلى إعادة تعريف علاقته بالدولة. فالمواطن الذي يمتلك حصة في شركة وطنية يصبح معنياً بأداء المؤسسات، وجودة الإدارة، وشفافية القرارات، وحماية الأصول. وبذلك يمكن لتوسيع الملكية الاقتصادية أن يفتح تدريجياً المجال أمام مشاركة أوسع في المساءلة والحياة العامة.
لكن ذلك يتطلب إطاراً تشريعياً يفصل بين الملكية والإدارة، ويضمن استقلال مجالس إدارات الشركات، ويخضعها لمعايير حوكمة صارمة. فامتلاك الدولة الحصة الأكبر لا يعني احتكارها الإدارة، بل اضطلاعها بدور الضامن للمصلحة العامة وحامي المنافسة وتكافؤ الفرص.
قصارى القول: إن التسويات السياسية قد توقف الصراع، لكنها لا تضمن وحدها استدامة السلام ما دامت أسباب التنافس على الثروة والموارد قائمة، وما دام الاقتصاد ساحة أخرى لتقاسم النفوذ والامتيازات. ومن هنا، فإن تأسيس شركات مساهمة وطنية بملكية عامة واسعة ومشاركة شعبية حقيقية قد يشكل أحد المسارات العملية لبناء اقتصاد المصالح المشتركة، ورفع دخول الأفراد، واستعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها.
فالوطن لا يصبح موحداً برفع علم واحد فوق مؤسساته، ولا باتفاق سياسي بين القوى المتنازعة، وإنما حين يشعر أبناؤه أن لهم حصة في ثروته، ومصلحة في استقراره، ودوراً في تقرير مستقبله. وحين يصبح لكل سوري نصيب في اقتصاد بلاده، تتحول وحدة الدولة من واجب تفرضه الشعارات والخطابات إلى مصلحة شخصية وجماعية يدافع عنها الجميع.
الخليج.. بين نعمة الجيولوجيا و لعنة الجغرافيا
السعودية والإمارات.. من التحالف إلى المنافسة
المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها، ولمزيد من المقالات يمكنكم زيارة صفحة "مقالات الرأي"
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي